أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

85

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

عرفت مما تقدم غير مرّة كيفية اجتماع الشرط والقسم . وقرأ الكوفيون « أَنْجانا » بلفظ الغيبة مراعاة لقوله : « تَدْعُونَهُ » . والباقون « أنجيتنا » بالخطاب حكاية لخطابهم في حالة الدعاء وقد قرأ كلّ بما رسم في مصحفه ، فإنّ في مصاحف « أَنْجانا » وفي غيرها « أنجيتنا » . قوله : مِنْ هذِهِ متعلّق بالفعل قبله ، و « مَنْ » لابتداء الغاية ، و « هذِهِ » إشارة إلى « الظّلمات » ، لأنها تجري مجرى المؤنثة الواحدة ، وكذلك في « مِنْها » يعود على « الظّلمات » لما تقدم . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 66 إلى 68 ] وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ( 66 ) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 67 ) وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 68 ) وقوله : وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ . عطف على الضمير المجرور ، بإعادة حرف الجر ، وهو واجب عند البصريين ، وقد تقدم « 1 » . قوله : عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ . يجوز أن يكون الظرف متعلقا ب « يَبْعَثَ » ، وأن يكون متعلّقا بمحذوف على أنه صفة ل « عَذاباً » أي : عذابا كائنا من هاتين الجهتين . قوله : « أَوْ يَلْبِسَكُمْ . . . » عطف على « يَبْعَثَ » ، والجمهور على فتح الياء من « يَلْبِسَكُمْ » ، وفيه وجهان . أحدهما : أنه بمعنى : يخلطكم فرقا مختلفين على أهواء شتى ، كل فرقة مشايعة لإمام . ومعنى خلطهم : إنشاب القتال بينهم ، فيختلطوا في ملاحم القتال ، كقول الحماسي : 1951 - وكتيبة لبّستها بكتيبة * حتّى إذا التبست نفضت لها يدي « 2 » فتركتهم تقصّ الرّماح ظهورهم * من بين منعفر وآخر مسند وهذه عبارة الزمخشري ، فجعله من « اللبس » ، الذي هو الخلط ، وبهذا التفسير الحسن ظهر تعدي « يلبس » إلى المفعول ، و « شِيَعاً » نصب على الحال ، وهي جمع « شيعة » ك « سدرة ، وسدر » . وقيل : « شِيَعاً » منصوب على المصدر من معنى الفعل الأول ، أي : أنه مصدر على غير الصدر ك « قعدت جلوسا » . قال الشيخ « 3 » « ويحتاج في جعله مصدرا إلى نقل من اللغة » . ويجوز على هذا أيضا أن يكون حالا ، ك « أتيته ركضا » أي : راكضا ، أو ذا ركض . وقال أبو البقاء : والجمهور على فتح الياء ، أي : يلبس عليكم أموركم ، فحذف حرف الجر والمفعول ، والأجود أن يكون التقدير : أو يلبس أموركم ، فحذف المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه » . وهذا كله لا حاجة إليه لما عرفت من كلام الزمخشري . وقرأ أبو عبد اللّه المدني : « يَلْبِسَكُمْ » بضم الياء من « ألبس » رباعيا ، وفيه وجهان :

--> ( 1 ) انظر آية ( 217 ) من سورة البقرة . ( 2 ) قد تقدم البيت الأول ، والبيتان للفراء السلمي . انظر شرح الحماسة ( 1 / 191 ) ، شاهد الإنصاف ( 2 / 26 ) ، البحر ( 4 / 151 ) . ( 3 ) انظر البحر ( 4 / 151 ) .